منتدى مختص بالتاريخ+الجغرافيا+السياسة+الاقتصاد والمال+اسلاميات + الحوار الأديان+السياحة+الرياضة.
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 لسيرة النبوية > ولادة محمَّد (ص) : ولادة أمّة شاهدة ورسالة واعدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ARCHI



عدد المساهمات : 179
تاريخ التسجيل : 04/04/2008
العمر : 36

مُساهمةموضوع: لسيرة النبوية > ولادة محمَّد (ص) : ولادة أمّة شاهدة ورسالة واعدة   السبت مايو 10, 2008 1:36 pm

يقول اللّه سبحانه في كتابه المجيد: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128)، وقال مخاطباً له: {وإنَّك لعلى خلق عظيم} (القلم:4)، {وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين} (الأنبياء:107). وقال مخاطباً المؤمنين الذين يريد منهم أن يؤمنوا به: {فآمنوا باللّه ورسوله النبيّ الأمّي الذي يؤمن باللّه وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون} (الأعراف:158).

ولادة الرسالة من وحي ولادته:

عندما نتطلّع إلى مولده فإنَّنا نتطلّع إلى ولادة الرسالة من خلال هذا المولد، حيث أعدّ اللّه سبحانه وتعالى في المدة الفاصلة بين هذه الولادة والبعثة المباركة الرسول، ليكون الإنسان الذي يجسّد في انطلاقاته العملية وفي علاقاته العامة، شخصية الإنسان الذي يمكنه أن يقوم بمسؤولية الرسالة في ما يصطفي اللّه سبحانه وتعالى بعض النّاس لرسالته.

نحن عندما نقف أمام مولده، فإنَّنا نتطلّع إلى الرسالة التي ولدت على يديه من خلال ما أوحى اللّه له، وبالتالي إلى ولادة أمّة إسلامية أراد لها أن تنطلق نحو الأهداف الكبيرة التي يمكن لها أن تتحرّك في الحياة من خلالها.

ولذلك فإنَّنا عندما نتذكره في ولادته، فنحن لا نتذكر شخصيته في حركة ذاته، وإنَّما نتذكر الرسالة، ونتذكر الأمّة، ونتذكر حركة الرسالة في الأمّة، ونتذكر مسؤولية الأمّة في حمل الرسالة، ونشعر أنَّ النبيّ (ص) عندما صنع هذه الأمّة من خلال الرسالة فقد جعل لها خطّاً عريضاً لا بُدَّ لها أن تتحرّك فيه في كلّ مرحلة من مراحل حياتها: {كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران:110).. كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس، لا من خلال الصفة القومية، ولا من خلال الصفة الجغرافية، ولا من خلال الألوان، ولكن من خلال الدور الذي إذا أخلصتم له استطعتم أن ترتفعوا إلى المستوى الأرقى في المواقع الإنسانية، وإذا لـم تخلصوا له فإنَّكم إذا لـم تنزلوا إلى المواقع الدنيا، فعلى الأقل لن تحصلوا على قيمة الارتفاع.

هذا هو الخطّ الذي أراد اللّه للنّاس أن ينتهجوه، وأن يقوم كلّ منهم بدوره في الحياة، لكي يتكرّس المعروف فيها ويتلاشى المنكر منها.

وهكذا حدّثنا اللّه عن هذه الأمّة التي ولدت على يد الرسول وقال للنّاس كلّهم في مراحل حياتهم: {ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104) لا يكفي أن تكون هي الأمّة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، بل ليتحمّل الرجال في كلّ مرحلة من مراحل المستقبل مسؤوليتهم في عملية صنع التاريخ. وهذا لا يتأتى إلاَّ من خلال المواصفات التي يجب أن يتمتع بها المجتمع المؤمن والدور الذي يقوم به، حيث يعيش المؤمنون والمؤمنات فيه رجالاً ونساءً بعضهم أولياء لبعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

لا نعيش العبث اللاهي في مولده:

لقد أراد اللّه للأمّة أن تسير في كلّ مرحلة من مراحل حياتها على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الدور يقوم فيه أفراد المجتمع الإسلامي من المؤمنين والمؤمنات في عملية تكاملية، فيرسمون الخطط ويتوزعون الأدوار فيما بينهم، لهذا نحن في مولده لا نعيش حالة الانفتاح اللاهي كما يفعل النّاس الذين يحتفلون بالمولد النبوي احتفال الغافلين واحتفال العابثين، احتفال فرح لا يحمل عمق الفرح الروحي في داخله، ولا وعي الإيمان المتجذّر في حنايا تلك الروح.

هذه الاحتفالات التي تُشغل بضجيج موسيقاها الإنسان عن التفكير والتخطيط للمجتمع الذي يحتفل بهذا المولد. فيبقى الاحتفال مجرد زينة وكلمات لا تحمل معنىً كبيراً للإنسان تجعله ينفتح على مسؤوليته في خطّ العمل من أجل أن يصنع مجتمعاً كمجتمع محمَّد (ص)، وأن يختطّ طريقاً كطريقه، وأن يلتزم الأهداف التي التزمها، وأن يعيش الروحية التي عاشها، في مولده لا بُدَّ أن نجلس معه ونعيش في آفاقه وندرس رسالته وندرس مسؤوليتنا تجاه رسالته.

لقد قدّمه اللّه إلينا: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} ومن عمق الأرض التي درجتم عليها، ومن قلب المجتمع الذي نشأتـم فيه {عزيز عليكم ما عنتّم} رسولٌ يحمل همّ النّاس ويتألـم لآلامهم، إذا تعب النّاس من حوله فإنَّه يتعب لتعبهم لما يحمله من همّ كبير تجاههم، فيفكر في حلّ مشاكلهم وكيفية التخفيف منها، وما ذلك إلاَّ لأنَّه يعزّ عليه المشقّات والمصاعب والمتاعب التي تحملونها في حياتكم، فيحرص على التخطيط لحلّها، ويسخّر لأجل ذلك كلّ طاقاته ليدفع عنكم كلّ التحديات التي توجَّه إليكم. يحرص عليكم أن تكونوا الأعزاء أمام المجتمع الذي يريد أن يذلكم، والأحرار أمام المجتمع الذي يريد أن يستعبدكم، والعلماء أمام المجتمع الذي يريد أن يجهّلكم، وهكذا، يحرص عليكم ليرفع مستواكم وليؤكد حريتكم وليخطّط لكم السير في خطّ العدالة، خُلُقه الرأفة بكلّ المؤمنين والرحمة لكلّ المؤمنين.

إنَّ اللّه عندما أراد أن يحدّثنا عن الحالة النفسية للرسول تجاه الأمّة التي أُرسِلَ إليها، كأنَّه يريد أن يقول لكلّ القيادات التي تتحرّك في خطّ رسالته، بأنَّه كان رسول اللّه يفكر في الأمّة، يتألـم لآلامها، فكونوا ممّن يتألـم لآلام الأمّة. كان رسول اللّه لا يعيش لشخصه ولكنَّه كان يعيش لأمّته، فكونوا الذين تعيشون للأمّة ولا تعيشون لأشخاصكم. كان رسول اللّه حريصاً على الأمّة لا يريدها أن تضيع، فكونوا الحريصين عليها. وكان الرسول الرؤوف الرحيم بالمؤمنين فكونوا الرؤفاء بالمؤمنين الرحماء بهم. كونوا الذين يتحمَّلون مسؤولية الإسلام في الأمّة كما يتحمّلون حركة الأمّة في الإسلام. إنَّه كلامٌ يوجَّه لكلّ القادة، ويوجَّه لكلّ المسلمين ليعيشوا هذه الروح في حركتهم التي ينفتحون بها على اللّه وعلى النّاس، لأنَّ اللّه أراد أن نجعل رسوله القدوة لنا: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيراً} (الأحزاب:21).

خلق الرسول(ص):

وهكذا خاطب اللّه الرسول ويريد أن يخاطبنا من خلاله: {وإنَّك لعلى خلق عظيم} الخلق المنفتح على النّاس، الخلق الذي يستمدّ معانيه من خلال أخلاق اللّه، للتخلّق بأخلاق اللّه، فإذا قلتم إنَّ اللّه هو الرحمن الرحيم ففكروا أن تكون لكم أخلاق الرحمة، وإذا قلتم إنَّ اللّه هو العفوّ الغفور ففكروا أن تكون لكم أخلاق العفو والمغفرة، وإذا قلتم إنَّ اللّه هو العزيز القوي ففكروا أن تكون لكم أخلاق العزّة والقوّة، وإذا قلتم إنَّ اللّه سبحانه وتعالى هو العليم، ففكروا أن تكون لكم طاقة العلم في حياتكم. وبتعبير آخر، استهدوا بهدي اللّه وتخلّقوا بأخلاقه كما كان الأنبياء يفعلون ذلك، ولذلك فلا بُدَّ للذين يتبعونك في رسالتك أن يكونوا على خلق عظيم، لأنَّ أخلاق الرسالة تفرض على الإنسان أن يعيش وفق ميزانه الذاتي في الحياة، إذا كان رسولنا ونبيّنا هو الذي يملك الخلق العظيم فلا بُدَّ أن نكون كذلك وأن نتدرب خلقياً وعسكرياً وثقافياً، باعتبار أنَّ ذلك هو الطريق الأجدى للانفتاح على عقول النّاس وقلوبهم، {فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} (آل عمران:159). وهذا ما يجعلك تستميل النّاس وتربح مودتهم بدرجة تفوق إخضاعهم بالسّلاح أو بالمال، لأنَّ السّلاح يخضع الأجساد، والمال يخضع العواطف، ولكن بالأخلاق تخضع كلّ كيانهم، وإذا انفتح الكيان كلّه للّه فإنَّه بإمكانك أن تزرع فيه ما تشاء، وأن تلقي إليه ما تشاء.

لذلك عندما نريد أن نتحمّل مسؤوليتنا كمسلمين يريدون فتح قلوب النّاس على الإصلاح، لا بُدَّ لنا أن نعيش الأخلاق الإسلامية المتوازنة التي تنفتح على الخير والرحمة كلّها والسلام الروحي في كلّ مجالات الحياة {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنَّ الشيطان ينزغ بينهم إنَّ الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً} (الإسراء:53)، {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن} (العنكبوت:46)، {ادفع بالتي هي أحسن} (المؤمنون:96) معنى ذلك أنَّك عندما تتكلّم فلا بُدَّ أن تختار أحسن الكلمات، وإذا أردت أن تجادل النّاس في ما تختلف معهم فعليك أن تختار أفضل وسائل الجدال، وإذا عشت المشاكل مع النّاس فعليك أن تدفع بالوسائل الأحسن والطرق الأسلم.

تحسين الخطاب:

ويعلّمنا اللّه عندما نريد أن نرتفع في مسؤوليتنا، أن نجيد خطابنا الذي نخاطب به النّاس، سواء كنّا نخاطب النّاس اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، أو في بعض القضايا التي تتصل بالعاطفة وما إلى ذلك.

يجب أن نحسّن خطابنا الاجتماعي والسياسي والعاطفي، ومعنى أن نحسّن الخطاب أن نختار الكلمات والأساليب والأفكار التي تنفذ إلى عقول النّاس ومشاعرهم، لنجذب النّاس إلى أفكارنا، ونجعلهم يؤمنون برسالتنا، ويقفون إلى جانب قضايانا.

كما علينا أن نبتعد عن استخدام الكلمات والأساليب التي تعقّد النّاس وتبعدهم عنّا، وهذا ما يقدم عليه بعض النّاس الذين يعتقدون بأنَّهم لا يستطيعون أن يتحرّكوا في الحياة إلاَّ بمظاهر القوّة، فيقومون على السبّ والشتم والتهديد، وربَّما انطلق البعض الآخر في إثارة الكلام، وبأنَّه لو لـم يستخدم أساليب التهاويل والتخويف لكان قد استضعفه الآخر، وهكذا، لكنَّ المبدأ الصحيح هو أنَّه لا بُدَّ من إظهار القوّة في ساحات الصراع مع الآخرين، لأنَّ الآخرين عندما يشعرون بذلك فإنَّهم سوف يحسبون للقويّ ألف حساب، ولكن من قال إنَّ القوّة تلتقي مع الشتائم والسباب؟ ومن قال بأنَّ الكلمات الاستعراضية يمكن أن تكون عنصر إيحاء بالقوّة؟ عندما تتحدّث كثيراً وتفعل قليلاً فإنَّ النّاس سوف لا تحترم ما تتحدّث به، لكن عندما تفعل كثيراً وتتحدّث قليلاً فإنَّ الآخرين سوف يلاحقون كلماتك، لأنَّهم يشعرون بحجم قوّتك. قد يتخذ أعداؤنا كلماتنا الانفعالية والاستعراضية سبيلاً للإيحاء إلى شعوبهم البسيطة بأنَّنا أناس تدميريون لا نعرف إلاَّ لغة القتل والتدمير، ولا نتقن لغة الحوار، ولا نملك ذهنية الصراع السياسي. وبعبارة أخرى، قد يوحون للآخرين بأنَّنا لا نتعامل بالوسائل الإنسانية في مسائل الصراع، وبذلك يجعلون شعوبهم قوّة لهم في حركتهم ضدّنا.

القوّة الواعية:

علينا أن نكون الأقـوياء، ونعدُّ ما نستطيعه من قوّة {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة..} (الأنفال:60)، فإذا أوتيت طاقة جديدة، عليك أن تضيفها إلى الطاقة السابقة ليتولد منها قوّة جديدة، كما علينا أن نطوِّر وسائلنا ونحصِّن إرادتنا وكلّ الأجواء المحيطة بنا، ولكن ونحن في مرحلة الاستعداد ومواجهة الحرب المفروضة علينا لا ينبغي أن نبتعد عن إثارة الرفق، حتى لو كنّا نواجه العنف المفروض علينا بعنف مماثل، لأنَّ كلماتنا هي جزء من الحرب، فكما تحتاج في الحرب إلى قوّة تسقط بها أعداءك فإنَّك تحتاج في الحرب نفسها إلى كلمات تسقط بها حجج أولئك الأعداء. لهذا قال اللّه لرسوله: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} (الإسراء:53) أن يقولوا الكلمات الأفضل التي يمكن أن تحقّق النتائج الكبيرة من دون أن تصنع سلبيات كبيرة. لذلك علينا أن نقلّل من إثارة كلمات العنف ولا نتحدّث بها كيفما كان، بل أن نتحدّث بها حيث تدعو الحاجة إلى أن نُطلق شعار العنف في الساحة، لأنَّ الساحة قد تحتاج إلى مثل هذا الشعار.

وهكذا علينا أن لا نستهلك لغة السباب في كلّ صراعاتنا، وقد قال اللّه في ذلك: {ولا تسبّوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبّوا اللّه عدواً بغير علم كذلك زيّنا لكلّ أمّة عملهم} (الأنعام:108) بأن لا تسبّ لأنَّ هذا السبّ يحدث ردّات فعل يجعل الآخرين يسبّون مقدساتك ورموزك ويكون البادي أظلم.

مسؤوليتك أن تبلّغ:

ولقد وضع لنا النبيّ (ص) استراتيجية لنتحرّك فيها، ففي الوقت الذي كان يفسح المجال فيه للعنف القوي أن يتحرّك في الساحة ضدّ الذين يريدون أن يفرضوا موقفهم على الواقع الإسلامي من خلال العنف، نراه كان لا يتفوَّه بكلمة شتم أو كلمة عنف. إنَّ علينا أن نختار الكلمات من خلال مصلحة الرسالة ومصلحة الهدف الكبير، لتكون كلماتنا تعبيراً عن استراتيجيتنا وعن خطّتنا المتوازنة الحكيمة.

ونحن مع رسول اللّه (ص) قد نلتقي بما كان يلتقي به من حالات نفسية عندما كان يدعو النّاس إلى الخير والإسلام، فكان النّاس يواجهونه بالقوّة والشدّة والإنكار والرفض، وكان يشعر بأنَّ عليه أن يبذل جهداً كبيراً في سبيل إقناع الآخر بالدعوة وبالرسالة، فكان ينطلق في الصباح ليحدّث هذا فيهرب منه ويحدِّث ذاك فيشتمه ويحاول أن يمارس العنف معه، وهكذا يأتي إلى البيت متعباً مجهداً يعيش الحزن في نفسه. ولكنَّ اللّه يريد أن يقول له لماذا تحزن ولماذا تنزعج عندما يكذِّبونك ويرفضونك، فإنَّ النّاس لا يكذبونك ولا يرفضونك بشخصك ولكنَّهم يكذبون اللّه.. أنت أدّيت رسالتك، وسواء قبلها النّاس أو رفضوها فتلك مشكلتهم، فقد أقام اللّه عليهم الحجّة بذلك، أمّا أنت فارجع إلى بيتك راضياً مرضياً، سواء حصلت على هدايتهم أم لـم تحصل {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنَّهم لن يضروا اللّه شيئاً} (آل عمران:176). إنَّ اللّه لا تنفعه طاعة المؤمنين ولا يضره كفر الكافرين {... إنَّه ليحزنك الذي يقولون فإنَّهم لا يكذبونك ولكنَّ الظالمين بآيات اللّه يجحدون * ولقد كذّبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدِّل لكلمات اللّه ولقد جاءك من نبأ المرسلين} (الأنعام:33ـ34).

{واصبر وما صبرك إلاَّ باللّه ولا تحزن عليهم ولا تكُ في ضيق ممّا يمكرون * إنَّ اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} (النحل:127ـ128). هذا رسول اللّه يقول اللّه له لا تحزن، فدورك أن تقول الحقّ {وقل الحقّ من ربِّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف:29). وأنتم المؤمنون الدعاة إلى اللّه عندما تدعون النّاس إلى الإيمان، سواء كان النّاس أهلكم أو أقرباءكم أو أصدقاءكم، أو كلّ النّاس من حولكم، فلا يتقبلون منكم، فيرفضونكم أو يشتمونكم أو يتحدّثون عنكم بطريقة غير سليمة، إنَّكم أدّيتم رسالة اللّه وقمتم بدوركم ويمكنكم أن تكرروا المسألة أولاً وثانياً وثالثاً ولكن عليكم أن لا تحزنوا.

هذا درسٌ يريدنا اللّه أن نتعلّمه لكي لا نسقط أمام كلِّ حالات التجريح وكلّ حالات التشويه التي يتّهم بها النّاس الدعاة إلى اللّه.

دورنا نصرة اللّه:

لا بُدَّ لنا أن ننطلق في الحياة لنستجيب لنداء اللّه.. نحن أنصار من؟ بعضنا يقول نحن أنصار فلان، نحن جماعة فلان أو حزب فلان. النّاس عادة ينتمون إلى النّاس حولهم، ولكنَّ اللّه يريدنا أن نعطي صفة الانتماء إليه. فنحن عباد اللّه، واللّه سبحانه ينادينا: {يا أيُّها الذين آمنوا كونوا أنصار اللّه كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى اللّه قال الحواريون نحن أنصار اللّه} (الصف:14)، هذا نداء إلهي لنا في كلّ حركتنا في الحياة، علينا أن نختزن في مراحل شخصيتنا في كلّ حياتنا أنَّه ليس دورنا أن ننصر زيداً أو عمرواً أو ننصر عشيرة أو جماعة، بل دورنا أن ننصر اللّه فإذا كان هناك من النّاس من تكون نصرته نصرة اللّه لأنَّه يعمل في سبيل اللّه ولأنَّه يجاهد في سبيل اللّه فعلينا أن ننصره، لا بشخصه بل لأنَّه مجاهد في سبيل اللّه وأنَّه داعية إلى اللّه وأنَّه عامل من أجل اللّه. أن لا تكون نصرتك للنّاس من خلال العلاقات الخاصة التي تربطك بهم، بل أن تكون نصرتك للنّاس من خلال العلاقة الإيمانية التي تربطنا باللّه وتربطهم باللّه، وهذا أمر قد نجده سهلاً عندما نسمعه لكنَّه صعب عندما نمارسه، لأنَّنا اعتدنا على أن ننصر النّاس الذين نرتبط معهم برباط العصبية حتى على حساب إيماننا.

فلو حصل خلاف بين شخصين الأول قريب لنا في العائلة والآخر قريب لنا في الإيمان ودار الأمر بين أن ننصر ابن العائلة أو ابن إيماننا فكم من النّاس من يغلّبون ابن الإيمان على ابن العائلة؟

بعض النّاس من المؤمنين يحاول أن يغلِّب عصبيته لابن عائلته، واتهام ذلك المؤمن بأنَّه ليس بمؤمن. فالأمر صعب، أن تنطلق على أساس الإيمان باللّه وأن تكون من أنصار اللّه، بأن تنصر من تكون نصرته نصرةٌ للّه، وإذا استطعت أن تفعل ذلك فعليك أن تبتعد عن كلّ النّاس من حولك وتلتحق بأولئك الذين تكون بينهم وبين اللّه علاقة.

هكذا كان حال الحواريين الذين اتّبعوا عيسى (ع)، فانفصلوا عن كلّ مجتمعهم ولـم تعد لهم صلة به إلاَّ من خلال صلة المجتمع بهم.

هذا ما نحتاج أن نعيشه في نفوسنا قبل أن نطلقه في شعاراتنا. لا يكفي أن تقول إنّي من أنصار اللّه، بل ادخل إلى نفسك وحاول أن تختبرها؛ هل تنصر اللّه في حركتك في الحياة، أو تنصر النّاس الآخرين في هذا المجال؟ وعليك عندما تتحرّك في الحياة أن لا تتعقّد من الأعداء، ولا ممّن يشردونك أو يشتمونك، لأنَّه من الأمور الطبيعية أن يكون للإنسان الذي يحمل رسالة أعداءً، باعتبار أنَّ رسالته تتحدى مصالح المستكبرين ومخططاتهم ونزوات المنحرفين وشهواتهم. وقد أشار اللّه سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله: {وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدواً شياطين الإنس والجنّ} (الأنعام:112) المهم أن لا تتعقّد ولا تتراجع ولا تسقط. {وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدواً من المجرمين وكفى بربِّك هادياً ونصيراً} (الفرقان:31)، فمن يحمل رسالة النبيّ سيكون له أعداء من المجرمين وشياطين الإنس والجنّ، لذا أن تفكر بحمل رسالة ورفع مصير أمّة والانطلاق في الحياة من خلال القضايا الكبيرة ولا أحد يشتمك أو يضيّق عليك أو يتحداك فعند ذلك يكون بقاؤك في منزلك أفضل وأسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
لسيرة النبوية > ولادة محمَّد (ص) : ولادة أمّة شاهدة ورسالة واعدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
داودي لعرج وأحلى الحضارات.بوقطب :: الفئة الأولى :: منتدى الثقــافـة الاسـلاميــة-
انتقل الى: