منتدى مختص بالتاريخ+الجغرافيا+السياسة+الاقتصاد والمال+اسلاميات + الحوار الأديان+السياحة+الرياضة.
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تابع السيرة النبوية مميزات المجتمع الرسالي:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ARCHI



عدد المساهمات : 179
تاريخ التسجيل : 04/04/2008
العمر : 36

مُساهمةموضوع: تابع السيرة النبوية مميزات المجتمع الرسالي:   السبت مايو 10, 2008 1:38 pm

مميزات المجتمع الرسالي:

وهكذا حدّثنا اللّه عن مجتمع رسول اللّه، وعن التمازج بين رسول اللّه في أخلاقه وصحابته في أخلاقهم، ما جعل هذه الطليعة المسلمة الواعية تتحمّل مسؤولية إيمانها في كلّ مواقعها الروحية والفكرية والعملية. وهذا ما يمكن أن نستوحيه في مسيرتنا لنقتدي بذلك، لأنَّ اللّه لـم يبعث رسولاً ليؤسس مجتمعاً في زمانه ثمَّ يترك الأزمنة التي تليه لتصنع المجتمع وفق هواها. وإنَّما أراد لرسول اللّه (ص) أن يصنع مجتمعاً رسالياً لتتحرّك المجتمعات الرسالية من بعده فتكون الحياة كلّها امتداداً له يركّز عناصره وقد أعدّه في كلّ مرحلة من مراحله: {محمَّدٌ والذين معه أشداء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجّداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً (الفتح:29).

هذه هي صورة المجتمع الذي تعيش فيه القاعدة مع القيادة، فلا تستعلي القيادة على القاعدة حتى لو كانت القيادة في أعلى درجات العلوّ الحقيقي فيما هي الدرجة عند اللّه. وبهذا نفهم حقيقة إسلامية في هذا الاتجاه، وهي أنَّ القيادة لا تلغي القاعدة، فالأمور في كلّ ما تحقّقه المسيرة لا تُنسب إلى القائد، بل إنَّ اللّه يقدّر للذين صنعوا الفتوحات فتوحاتهم مع القيادة، ويقدّر للذين قاموا بأعمالهم الكبيرة عملهم مع القيادة، ولهذا فإنَّه يعطيهم الدور ليقول من خلال ذلك لكلّ قائد في أيّ موقع من مواقع القيادة، سواء كان الموقع موقعاً رسالياً أو اجتماعياً أو سياسياً، إنَّك قد تكون هيّأت للنصر أيُّها القائد بفكرك وبخططك، ولكنَّ الذين معك هم الذين نفَّذوا الخطّة، وهم الذين أكّدوا قواعد النصر، وأعطوا عناصر النجاح من خلال ما يعيشونه في أنفسهم من روحية وعطاء ودفق إيماني.

إنَّ الإسلام يريد أن يصنع قيادات تُشعر النّاس الذين يعيشون معها بأنَّ لهم الدور الكبير في كلّ ما يمكن أن يتحقّق في الحياة من انتصارات ونجاحات ومشاريع كبيرة، وهكذا كان محمَّد رسول اللّه والذين معه.

كان المسلمون ـ ككلّ مجتمع من المجتمعات يملك خصوصية تجمع أفراده ـ يتحرّكون في دائرتين: الدائرة الأولى هي الدائرة الإسلامية في الداخل، والدائرة الثانية هي دائرة الكافرين الذين كانوا يحيطون بهم من كلّ جانب.

ودائرة المسلمين هي دائرة المجتمع الذي يحتاج إلى أن يعيش كلّ فرد من أفراده مسؤولية قوّته وتوازنه وثباته. أمّا دائرة الكفر فهي الدائرة التي ينطلق فيها الكفّار الذين وقفوا في موقف التحدي أمام المسلمين من أجل أن يوقفوا حركة الإسلام وأن يخرجوا المسلمين عن إسلامهم، أو يقضوا عليهم، لذلك كان المسلمون في هاتين الدائرتين يحتاجون إلى عنصر أخلاقي يتحرّك بطريقة معينة في الدائرة الأولى ويتحرّك بطريقة أخرى في الدائرة الثانية.

عندما تتحرّك في دائرتك، فقد يخطئ البعض وقد ينحرف، وهنا يجب على كلّ فرد من أفراد هذا المجتمع أن يعيش أخلاقية الرحمة في نفسه تجاه النّاس الذين معه، لتشيع الرحمة بينهم وتوحي إليهم بأنَّ هناك رابطة تربطهم فتجعل مصيرهم واحداً، بحيث إنَّ أيّة مصيبة تصيب واحداً منهم فإنَّها لا تقتصر عليه بل تشمل الآخرين، وأيّ خيرٍ يحصل لأحدهم فإنَّه يشمل الآخرين أيضاً، ما يجعل كلّ واحد منهم يشعر أنَّه يرتبط بالآخر ارتباطاً عضوياً، مصالحه مصالح الآخر وآلامه آلامه. ولذلك فإنَّ عليه أن يصبر على الآخر فيرحمه ولا يستعجل في مواجهته عندما يخطئ، ولا ينطلق على أساس العنف عندما يسيء، بل لتكن الرحمة طابع المجتمع، فإنَّ نبيّ هذه الأمّة كانت صفته الرحمة، ولا بُدَّ أن يكون هو القدوة {وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين} (الأنبياء:107)، {فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159). ولذا لا بُدَّ أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمع الرحمة، ترحم مجتمعك بأن تصبر على أخطائه، وإذا أردت أن تعالجها فلا تعالجها بروح القسوة والعنف، بل عالجها كما يعالج الطبيب مريضه علاج الرحمة.

إنَّ الإسلام يصوّر لنا مجتمع الرسول (ص) الذي انطبع بأخلاقه وشخصيته، واستطاع من خلال هذه الأخلاق التي شملت الواقع الإسلامي أن يحصل على العنصر الأساسي الذي أعطاه القوّة، ومواقع القوّة الاجتماعية التي انطلقت من تعامله الإنساني مع الآخر، لأنَّ أخلاق القوّة ليست هي أخلاق العنف، بل قد تكون أخلاق اللين عندما يتحرّك اللين ليجعل المجتمع مجتمعاً واحداً يرتبط بالرباط الإنساني.

إنَّ اللّه يحدّثنا أنَّ الرحمة ليست مجـرّد خُلُق نعيشه، بل هي مسؤولية عليك أن تتحمّلها {ثمَّ كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالرحمة} (البلد:17)، أن توصي أخاك بأن يرحم أخاه، فتكون الرحمة وصيّة المؤمنين في مجتمعهم، لكي لا تأخذ المشاكل حريتها في الحركة وتسيطر على مواقع الأمن الاجتماعي لتنسفه {إنَّما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات:10) انطلقوا بفعل الرحمة للمتخاصمين بأن تدخلوا بينهم، فلا تسمحوا للمشاكل بأن تتعقد بحيث تتحوّل إلى مشاكل مستعصية تحرق الأخضر واليابس، فلو أصرَّ أحدهم على البقاء في مواقع البغي، فإنَّه يجب على المجتمع أن يتحرّك على أساس الرحمة بإجراء عملية جراحية ينقذ بها نفسه {وإنَّ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّه فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنَّ اللّه يحبّ المقسطين} (الحجرات:9).

إنَّ المجتمع الإسلامي مجتمع الرحمة بين أفراده، فلنقدر الظروف وننطلق من موقع المحبة في كلّ ما نمارسه، وفي هذا كان المسلم يعيش همّ المسلم الآخر.

عندما انطلقت الدعوة الإسلامية في المدينة، وأصبحت المدينة الركيزة الأساسية للمسلمين، جاء المهاجرون من مكة حيث لا مال عندهم ولا ثياب ولا سكن، لأنَّ قريشاً شردتهم من ديارهم من دون أن تمنحهم فرصة ليأخذوا معهم ما يتّخذوه أساساً لحياةٍ جديدة، فأضحوا بذلك في موقعهم الجديد محتاجين، فكيف واجههم الأنصار في المدينة؟ إنَّ اللّه يحدّثنا عن ذلك فيقول للفقراء المهاجرين: {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصادقون} (الحشر:Cool، وقد يتضايق النّاس من المؤمنين ومن المجاهدين إذا حمَّلوهم مسؤوليةً أو احتاجوا إليهم، ولكن ما حدث مع أهل المدينة كما عبّر عن ذلك القرآن بأنَّهم: {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم... } (الحشر:9) قلوبهم مفتوحة لكلّ المهاجرين إليهم {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلاَّ أن يقولوا ربَّنا اللّه} يحبّونهم، شعورهم نحوهم ليس مجرّد شعور الإنسان عندما يلتقي بإنسان من خلال انتمائه، ولكنَّه شعور الإنسان الذي يحبّ كلّ إنسان آمن باللّه وجاهد في سبيله، لهذا كانت المحبة هي الشعور الغالب لكلّ هؤلاء الذين تبوأوا الدار والإيمان، لأنَّهم يشعرون بأنَّ علاقة الإيمان تفوق علاقة المحبة. إذاً وبتعبير آخر، فالإيمان ليس مجرّد حالة عقلية تعيشها من خلال ما تحمله من فكر، بل هو حالة شعورية عميقة تشعر فيها بالعاطفة تّجاه كلّ من يحمل هذا الإيمان، لأنَّ معنى أن تحبّ اللّه أن تحبّ من أحبّ اللّه وأن تحبّ من أحبّه اللّه. وبتعبير آخر، إنَّ الإيمان حركة فكر في عقلك وحركة عاطفة في قلبك {يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا} (الحشر:9)، لا يشعرون في صدورهم بأيّ حرج أو ضيق أو مشكلة {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (الحشر:9)، كانوا يمنعون أنفسهم من المال الذي يحتاجون إليه ومن الغذاء الذي يقتاتون به ليعطوه للمهاجرين {ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون} (الحشر:9)، هذا مظهر من مظاهر الرحمة. وبذلك انطلقت الرحمة لتكون مصدر قوّة لهم، لأنَّ المجتمع الذي يعيش الحالة الشعورية المترابطة فيما هي العاطفة والشفقة والرحمة هو مجتمع لا يستطيع الآخرون أن ينفذوا إلى داخله، لأنَّ الرحمة تسدّ الثغرات التي يستغلها الآخرون وتمنعهم من النفاذ إلى داخل البيئة الاجتماعية.

سمات المجتمع المسلم:

كيف ينفذ الآخرون إلى مجتمعاتنا؟!! إنَّهم ينفذون لأنَّنا لا نعيش بشخصية المجتمع ولكنَّنا نعيش بشخصية الفرد، من الطبيعي أن أعيش معك وتعيش معي في بيت واحد، ولكن عندما تفكر في نفسك بصفتك الفردية، وأفكر في نفسي بصفتي الفردية، فمعنى ذلك أنَّه لا رابطة بيننا وإن كان البيت يضمّنا معاً. إنَّنا عندما نكون أفراداً مجتمعين في مكان واحد لا تربط بيننا رابطة عضوية ولا تحكمنا حالة شعورية عاطفية، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الثغرات تعيش في حياتنا بشكل طبيعي جداً. ويمكن أن ينفذ منها كلّ النّاس، ولذلك فإنَّ الأعداء عندما ينفذون إلى أيّ مجتمع إنَّما ينفذون إليه لأنَّ أبناءه لا يُمثّلون مجتمعاً مترابطاً، بل أفراداً متفرقين يتحرّك كلّ منهم في دائرته الخاصة وإن جمعهم تجمُّع واحد. وحدهم المؤمنون الذين يعيشون الإيمان بعمق ويخلصون للّه بعمق، هم الذين يعتبرون الترابط فيما بينهم أمراً أساسياً، بحيث لا يسمح إيمانُ أيِّ إنسان منهم أن ينفصل عن أخيه أو أن لا يعيش همّ أخيه، بحيث إنَّه لو فقد اهتمامه بآلام إخوانه فإنَّه يخرج عن الإسلام «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، هذا هو مثل المجتمع المؤمن. وهكذا نجد: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ويكره له ما يكره لها»، ومن الصعب أن يربي الإنسان نفسه هذه التربية: أن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه. ثُـمَّ »من لـم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم«، و »من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم«.

ومن هنا نرى أنَّ الإسلام يركّز على العلاقة التي تجعل الإنسان يعيش الشعور بالآخرين من المؤمنين كما يشعر بنفسه، والمسألة تحتاج إلى تربية ومعاناة وجهاد نفس ووعي للإسلام. وهكذا استطاع ذلك المجتمع المسلم الصغير بالرغم من وجود نقاط الضعف والمشاكل فيه أن يشكل قوّة {أشدَّاء على الكفّار} (الفتح:29)، وهذه صفة ثانية من المواصفات التي أودعها اللّه في المؤمنين، بأنَّهم يقفون بقوّة أمام مجتمع الكفر والاستكبار والظلم الذي يحاول قهر المجتمعات الأخرى، ولأجل ذلك يستنفرون كلّ عناصر القوّة وكلّ عناصر الشدّة وكلّ عناصر العنف في مواجهة الذين يريدون أن يفرضوا عليهم سيطرتهم من مواقع الشدّة والقوّة ليكونوا الأقوياء في هذا المجال، لأنَّ القرآن كان يحشد القوّة في نفوسهم ويحشد الشدّة في كلّ مواقفهم: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرحٌ فقد مسّ القومَ قرحٌ مثله وتلك الأيام نداولها بين النّاس} (آل عمران:139ـ140)، وهذا ما نحتاج إلى أن نعيشه إلى جانب أن نكون الرحماء فيما بيننا، أن نكون الأشداء على كلّ الذين يريدون أن يحاربونا في ديننا أو في حريتنا أو في عزّتنا أو في كلّ مواقع العدالة في مجتمعنا، فلا نستسلم لهم ولا نضعف أمامهم ولا نسترخي عندما يواجهوننا بالتحديات .. أن لا نعاونهم ولا نتجسس لهم، وأن لا نكون الجنود الذين يحاربون معهم ولا الأصوات التي تؤيدهم أو تبرر ظلمهم. من يفعل ذلك فهو خارج عن خطّ رسول اللّه ودائرته ودائرة المسلمين وداخلٌ في دائرة الكافرين.. فأيّ كفر أعظم من أن تعين الكافر والظالـم على أخيك.. أيّ كفر عملي أعظم من ذلك.. فما قيمة أن تكون مؤمناً بلسانك إذا كانت كلّ حياتك حركةً في اتجاه تقوية الكفر ودعمه أيّاً كانت مواقع الكفر، سواء كانت مواقع ثقافية أو سياسية أو أمنية واقتصادية. فالذين يتجسّسون للكافرين في الداخل والخارج ويعملون على تمكينهم من المؤمنين هم في دائرة الكفر لا في دائرة الإسلام. فإنَّ هؤلاء خانوا اللّه ورسوله، وغداً يوم القيامة سيحاسبهم حساباً عسيراً... أن نكون أشداء على الكفّار لا أن نكون أشداء لمصلحة الكفّار ولا أن نكون جنوداً لهم ومخابرات.

الصفة الثالثة {تراهم ركّعاً سجَّداً} إذا كنت تريد أن تدخل في مجتمع رسول اللّه وأن تنال محبته شفاعته، أخلص للّه في عبوديتك، كن الراكع للّه بعقلك وبقلبك، كن الساجد للّه بعقلك وبقلبك، لأنَّ الكثيرين يسجدون للّه على جباههم، ولكنَّهم يسجدون للشيطان في عقولهم وقلوبهم، أن تكون قريباً إلى اللّه في سجودك إذا توافق سجودك الجسدي مع سجودك القلبي للّه، بحيث كان قلبك خاضعاً للّه ساجداً له تماماً كما هي جبهتك ساجدة له. فالمؤمنون في مجتمع الرسول (ص) كانوا يعيشون ذلك، يركعون ويطلبون من اللّه أن يمنحهم فضله، يسجدون وقلوبهم متعلّقة بكلّ ما يمنحهم اللّه من فضله {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} (الفتح:29)، لأنَّ السجود كان طبيعةً من طبائع حياتهم لذلك أثرّ على جباههم تأثيراً طبيعياً.

وفي هذا الجو أحبّ أن أؤكد أنَّ التركيز الإلهي جاء على أنَّ مجتمع الرسول (ص) هو مجتمع الراكعين الساجدين الذين يبتغون من اللّه فضلاً ورضواناً، وهذا يعني أنَّ الجانب الروحي الذي ينفتح على اللّه من خلال مواقع العبادة للّه والخضوع له والابتهال إليه يعتبر الأساس في حياة المسلم، أن تربي نفسك على أن تكون الراكع للّه بقلبك وعقلك وضميرك وحياتك وجبهتك، وأن تكون الساجد للّه في ذلك كلّه، أن تكون روحيتك منفتحة على اللّه، وأن يكون قلبك خاشعاً للّه، وأن تكون كلّ حياتك بين يدي اللّه، لأنَّه لا يكفي أن تكون مسلماً بكلامك وبفكرك وجهادك ما لـم تكن مسلماً بروحك المنفتحة على اللّه والخاشعة له {الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربِّهم يتوكلون} (الأنفال:2) لهذا أؤكد على التربية الروحية، فلنربّ أنفسنا وندربها على أن ننمي روحيتنا بانفتاحنا على اللّه، لأنَّنا كلّما استطعنا أن نحصل على الانفتاح على اللّه أكثر وعلى القوّة الروحية أكثر كلّما كنّا الأقوى في مواجهة الشدائد.

وبما أنَّ الرسول (ص) هو القدوة والأنموذج، فإنَّنا نجد أنَّ هذه القوّة الروحية المنفتحة على اللّه تنجلي في مواجهته لقريش، وممّا يروى عنه أنَّه كان يسهو أثناء اشتداد المعركة ويقول: »يا عليّ يا عظيم«، كأنَّه يقول: يا ربّ إنَّ الموقف في هذه المعركة هو موقف إمّا أن يكون العلو فيه للمسلمين وإمّا للمشركين، وأنت العليّ فأعطنا العلوَّ وأنت العظيم فأعطنا العظمة، وهكذا كانت طاقة رسول اللّه الروحية هي التي استطاعت أن تثبته في أشدّ المواقف قساوة، ونحن نحتاج إلى هذا الانفتاح على اللّه، وهذه المحبة للّه، وهذه العبادة للّه حتى نستطيع من خلال ذلك أن نحمي بعضنا من بعض وأن نحمي أنفسنا من خطر غرائزنا، وأن نثبت أقدامنا يوم تزلّ فيه الأقدام، لذا فإنَّ الذين يركعون على أبواب السلاطين ويسجدون على أعتاب المستكبرين ويستنكفون أن يركعوا للّه وأن يسجدوا للّه ويسخرون من الذين يصلون، فهؤلاء ليست لهم علاقة بالإسلام ولا باللّه، وإنَّما تنحصر علاقتهم بالكفر، فمن يفعل ذلك كلّه كيف نصنفه في دائرة المسلمين.

{يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً} أن يكون ذلك تفكيرهم في الليل والنهار، فهم عندما يتكلّمون يسألون أنفسهم: هل للّه رضىً في هذه الكلمة؟ عندما يعملون يتساءلون هل في هذا العمل رضى للّه؟ عندما يؤيدون هل في هذا التأييد رضى للّه؟ عندما يرفضون هل في هذا الرفض رضى للّه؟ إنَّهم لا يتحدّثون عن رضى زيد وعمرو، بل كلّ همّهم أن يرضى اللّه عنهم، وإذا رضي اللّه عنهم فلا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم »إن لـم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي« هذه هي الروح التي كان يعيشها ذلك المجتمع المسلم.

ومسألة أن نكون كذلك صعبة شاقة، لكنَّ الإنسان الذي يدرب نفسه على الصعب سوف يتحول الأمر الصعب عنده إلى أمر سهل... أن ندرب أنفسنا على كلّ هذه الأخلاق الإسلامية، لنعتبر حقيقة واحدة، هي أنَّ الكثيرين منّا يعتبرون الحياة فرصة للراحة وفرصة للاسترخاء، ولذلك يثقلهم التعب وتثقلهم المسؤولية، لكن عندما نعرف أنَّنا خلقنا للآخرة من خلال الدنيا، وأنَّ الدنيا مزرعة الآخرة، وأنَّنا هنا في مواقع العمل {يا أيُّها الإنسان إنَّك كادح إلى ربِّك كدحاً فملاقيه} (الانشقاق:6) الدنيا ليست فرصة للراحة، وإن كان اللّه لا يمنعك أن ترتاح فيها، لكن علينا أن لا تكون الراحة هدفنا. أن لا تكون اللذات والشهوات والسعادة الدنيوية كلّ طموحاتنا، أن نعتبر أنَّ ما بين أيدينا من أموالنا ومن كلّ ما يحيط بنـا هو حاجة، أمّا هدفنا فهو رضى اللّه، ولذلك فإنَّ علينا أن نحرّك كلّ طاقاتنا في هذا الاتجـاه، حتى نحصل على الراحة هناك، ونحصل على رضوان اللّه، هناك وبذلك فإنَّ الملائكة تستقبلنا {سلام عليكم بما صبرتـم فنعم عقبى الدار} (الرعد:24).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تابع السيرة النبوية مميزات المجتمع الرسالي:
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
داودي لعرج وأحلى الحضارات.بوقطب :: الفئة الأولى :: منتدى الثقــافـة الاسـلاميــة-
انتقل الى: